محمد هادي معرفة

408

التمهيد في علوم القرآن

الرأس ، أو الشيب في الرأس . بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه في الجملة . ووزان هذا ، أن تقول « اشتعل البيت نارا » أو تقول « اشتعل النار في البيت » . فكم بينهما من فرق ؟ قال : ونظير هذا التنزيل قوله عزّ وجلّ : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً « 1 » . التفجير للعيون في المعنى ، وأوقع على الأرض في اللفظ ، كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس ، وقد حصل بذلك من معنى الشمول هاهنا مثل ما هناك . وذلك أنه أفاد أنّ الأرض قد صارت كلها عيونا ، وأنّ الماء يفور من كل جوانبها ، أمّا لو قلنا : فجرنا عيون الأرض أو « العيون في الأرض » لزال هذا المغنى وزالت هذه الروعة في المبالغة القريبة « 2 » . ونظيره في الروعة قوله تعالى - يصف العلاقة الجنسية بأرفع أسلوب وبكلمة رقيقة مهذّبة فريدة لا تجد لها مثيلا ولا بديلا - : فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ « 3 » . إنها استعارة من أبدع الاستعارات وأرفعها تعبيرا عن أمر يقبح التصريح به ، كلمة رقيقة مهذّبة ، لم تعرفها العرب من ذي قبل ، فجاءت طريفة في نوعها وظريفة في أسلوبها « 4 » . فقد استعير التغشّي كناية عن عمل جنسي ، يشبع غريزة فطرية ، ويحول

--> ( 1 ) القمر : 12 . ( 2 ) دلائل الاعجاز : ص 69 - 70 . ( 3 ) الأعراف : 189 . ( 4 ) راجع محاولة الأستاذ مصطفى محمود ، ص 17 .